ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

132

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

خطابا ، وأدنى من المطلوب طلابا ، وأنه إذا ضرب بعصاه الحجر انبجست عيون أهله دماء ، كما انبجست عيون الحجر ماء ، هذا والعزائم تنظر إلى هذا الرأي نظر المستجهل ، وتصدّ عنه صدود المستعجل ، وتقول : ما بارتياد السهل تملك الصعاب ، ومن ابتنى السيف صرحا لم ينأ عنه بلوغ الأسباب ، والحديد لا يفلح إلا بالحديد ، والركن الشديد لا يصدم إلا بركن شديد ، فعندها صمّم الخادم أن يلقى البلد مواثبا لا مواربا ، وأن يجعل للزحف جانبا وللمنجنيق جانبا ، ونوى أن يبدي صفحة وجهه أمام الناس ، وتأسّى برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الاتقاء به إذا اشتد الباس ، ولا شك أن قلوب الجيوس بمنزلة قلوبها ، وأن النفاذ لأسنة الرماح لا لكعوبها ، ولا يشتفي من الوغى إلا من كان طرفه أمام طرفه ، ومن وقف خلف جنوده فقد جعل عزائمها من خلفه ، ولما وقع الزّحف صورع البلد صراعا ، بعد أن قورع قراعا ، ثم هزّ هزة طوته بيمينها ونشرته بشمالها ، وأذاقته العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر من نكالها ، وبدون ذلك يكون عذرك أديمه ، وعطف شكيمه ، ولم يكن قتاله بالسهام التي غايتها أن تصفّ أجنحتها للمطار ، وتنال بكلومها من فوق الأسوار ، بل بالسيوف التي إذا جالدت بلدا أخذت بكظمه ، وتوغلت في هجمه ، وأغنت بسرعة خطواتها إليه عن المنجنيق وإبطاء هدمه ، والسيف ليس بمرتو من النفس التي تظل طائشة عند لقائها ، جائشة عند استيفائها ؛ فالقلوب توصف بأنها تجيش إذا كانت أعدادا ، والنفوس لا تجيش إلا ذا كانت ثمادا ، وما يستوي وجوه الأقران في إقدامها وإحجامها ، فمنها المظلم إذا رابها الروع بإشراقها ، ومنها المشرق إذا شابها الروع بإظلامها ، وكانت وجوه المؤمنين في هذا المقام أحظى بلباس الإشراق ، وأتم أبدرا والبدور لا يكون تمامها في المحاق ؛ فما منهم إلا من عرض نفسه ليوم العرض ، ومشى إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، حتى اتسع المكرّ وضاق بأعداء اللّه المقر ، وحرقت أوعار الخنادق ، وصار الرجال لمنطقة السور كالمناطق ، ولم يستشهد منهم إلا عدد يسير لا تدخله لام التعريف ، وكانت أجنحة الملائكة مطيفة بهم فأكرم بالمطاف به وبالمطيف ، وقد أسعد اللّه أولئك بالشهادة التي هي الفوز الأكبر ، وقرنها بإدناء مضاجعهم من الأرض المقدسة التي هي أرض المحشر ، فما يسرهم أن يعودوا إلى الدنيا إلا للاستزادة من ثواب الجهاد ، وأيسر ذلك أن أرواحهم في حواصل طير خضر تعلق من ثمار الجنة إلى يوم المعاد ، ولما رأى الكفار أن صليبهم قد صار